الشيخ محمد الصادقي
47
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ومن الضوابط المستفادة هنا أن الأمر يفيد الوجوب فورا ، فلولا الوجوب هنا لما صح تنديد ، ولولا الفور فلما ذا فور التنديد ، فهذه طبيعة حال أمر المولى أنه يفيد فور الوجوب ، اللّهم إلّا أن تدل قرينة قاطعة على خلافه . ثم وفي نظرة واقعية إلى طبيعة الأمر والنهي - بعد الدلالة القرآنية - نجد الإيجاب الطليق والمنع الطليق ، اللّهم إلّا بقرينة قاطعة تقطع طبيعة الدلالة إلى سواها . ثم « إذ أمرتك » تصريحة قاطعة أنه كان تحت الأمر بصورة خاصة مع عموم الملائكة ، فلا يرد أنه « كانَ مِنَ الْجِنِّ » فلا يشمله أمر الملائكة ، أو أنه أمر مرتين ثانيتهما في جمع الملائكة اعتبارا بأنه كان محسوبا منهم لمشاركته إياهم في مظاهر الأعمال الصالحة في الملإ الأعلى . فلقد ورطه الاستكبار إلى سحيق العذاب ومحيق المآب ، فهذا إبليس « اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصب عليه لأصله ، فعدو الله إمام المتعصبين ، وسلف المستكبرين الذي وضع أساس العصبية ، ونازع الله رداء الجبرية ، وادرع لباس التعزر ، وخلع قناع التذلل ، ألا ترون كيف صغره الله بتكبره ، ووضعه بترفعه ، فجعله في الدنيا مدحورا ، وأعد له في الآخرة سعيرا » « 1 » . و إن أول معصية ظهرت الأنانية من إبليس اللعين حين أمر اللّه تعالى ذكره ملائكته بالسجود لآدم وأبى اللعين أن يسجد ، فقال اللّه عزّ وجلّ : « ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » فطرده اللّه عزّ وجلّ عن جوار رحمته ولعنه وسماه رجيما وأقسم بعزته لا يقيس أحد في دينه إلا قرنه مع عدوه إبليس في أسفل درك من النار « 2 » .
--> ( 1 ) . نهج البلاغة الخطبة 190 / 1 / 356 ، وفي نور الثقلين 2 : 6 في علل الشرائع عن جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) . ( 2 ) . نور الثقلين 2 : 6 في علل الشرائع .